ابن قيم الجوزية

267

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أحدها : أن من عرف نفسه بالضعف عرف ربه بالقوة . ومن عرفها بالعجز عرف ربه بالقدرة . ومن عرفها بالذل . عرف ربه بالعز . ومن عرفها بالجهل . عرف ربه بالعلم . فإن اللّه سبحانه استأثر بالكمال المطلق ، والحمد والثناء ، والمجد والغنى . والعبد فقير ناقص محتاج . وكلما ازدادت معرفة العبد بنقصه وعيبه وفقره وذله وضعفه ، ازدادت معرفته لربه بأوصاف كماله . التأويل الثاني : أن من نظر إلى نفسه وما فيها من الصفات الممدوحة من القوة والإرادة والكلام والمشيئة والحياة ، عرف أن من أعطاه ذلك وخلقه فيه أولى به . فمعطي الكمال أحق بالكمال . فكيف يكون العبد حيا متكلما سميعا بصيرا مريدا عالما ، يفعل باختياره ، ومن خلقه وأوجده لا يكون أولى بذلك منه ؟ فهذا من أعظم المحال . بل من جعل العبد متكلما أولى أن يكون هو متكلما ومن جعله حيا عليما سميعا بصيرا فاعلا قادرا ، أولى أن يكون كذلك . فالتأويل الأول من باب الضد . وهذا من باب الأولوية . والتأويل الثالث : أن هذا من باب النفي . أي كما أنك لا تعرف نفسك التي هي أقرب الأشياء إليك . فلا تعرف حقيقتها ، ولا ماهيتها ولا كيفيتها . فكيف تعرف ربك وكيفية صفاته ؟ . والمقصود : أن هذا المشهد يعرّف العبد أنه عاجز ضعيف . فتزول عنه رعونات الدعاوى ، والإضافات إلى نفسه ، ويعلم أنه ليس له من الأمر شيء ، إن هو إلا محض القهر والعجز والضعف . فحينئذ يطلع منه على : المشهد الثاني عشر : وهو مشهد الذل ، والانكسار ، والخضوع ، والافتقار للرب جل جلاله . فيشهد في كل ذرّة من ذرّاته الباطنة والظاهرة : ضرورة تامة ، وافتقارا تاما إلى ربه ووليه ، ومن بيده صلاحه وفلاحه ، وهداه وسعادته . وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتها . وإنما تدرك بالحصول . فيحصل لقلبه كسرة خاصة لا يشبهها شيء . بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل ، الذي لا شيء فيه ، ولا به ولا منه ، ولا فيه منفعة ، ولا يرغب في مثله . وأنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيّمه . فحينئذ يستكثر في هذا المشهد ما منّ ربه إليه من الخير . ويرى أنه لا يستحق قليلا منه ولا كثيرا . فأيّ خير له من اللّه استكثره على نفسه . وعلم أن قدره دونه ، وأن رحمة ربه هي التي اقتضت ذكره به ، وسياقته إليه . واستقلّ ما من نفسه من الطاعات لربه ، ورآها - ولو ساوت طاعات الثقلين - من أقل ما ينبغي لربه عليه . واستكثر قليل معاصيه وذنوبه . فإن الكسرة التي حصلت لقلبه أوجبت له هذا كله . فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور ! وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه ! وما أنفع هذا المشهد له وأجداه عليه ! وذرة من هذا ونفس منه أحب إلى اللّه من طاعات أمثال الجبال من المدلّين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم . وأحب القلوب إلى اللّه سبحانه : قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة . وملكته هذه الذلة . فهو ناكس الرأس بين يدي ربه . لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلا من اللّه . قيل لبعض العارفين : أيسجد القلب ؟ قال : نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء . فهذا سجود القلب .